محمد بن محمد ابو شهبة

137

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

تخاذل في صفوف المشركين لما نزلت قريش منازل القتال بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا له : احزر - قدّر - لنا أصحاب محمد ، فاستجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ( ما رأيت شيئا ، ولكن قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، واللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ، فروا رأيكم ) « 1 » . فشل المساعي لعدم الحرب ثم سعى بعض العقلاء في الحيلولة بين قريش والحرب ، فقد مشى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى ألاتزال تذكر فيها بخير إلى اخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ، قال : قد فعلت . هو حليفي علي عقله - دينه - وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية - أبا جهل - فإني لا أخشى أن يجسر أمر الناس غيره . ثم قام عتبة خطيبا فقال : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، واللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه ، أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك لم نتعرض منه لما تكرهون . فانطلق حكيم إلى أبي جهل ، فأرغى وأزبد ، واتهم عتبة بالجبن ، والتخوف على ابنه أبي حذيفة الذي كان في صفوف المسلمين وأوعز إلى عامر

--> ( 1 ) فروا : أمر من رأى وصل بواو الجماعة .